5 يناير 2017

علي عكس توقعات غالبية الأكاديميين والمراقبين، سرعان ما برزت قضية تعريف الشريعة وعلاقتها بالقانون الوضعي مرة أخرى إلى مركز الجدل بشأن النظام الدستوري في مصر بعد الإطاحة بمبارك وبمجرد البدء في الإعداد لكتابة دستور جديد. فعقب عدة سنوات من سيادة رؤية في أوساط دارسي القانون الإسلامي وسياسات الشرق الأوسط مفادها أن السعي لتطبيق الشريعة وإحلالها محل القانون الوضعي قد أضحى جزءا من ماضي الحركة الإسلامية، السنية على وجه الخصوص، أو على الأقل أن هذه الحركات قد أظهرت قبولا نسبيا بمبادئ الديمقراطية والتزاما بآلياتها يسمح بالوصول لتسوية تاريخية لمجمل الأسئلة العالقة بشأن منافسة الشريعة للقانون الوضعي، بل والوصول إلى صيغة "دستورية إسلامية"، فوجئ مجتمع الباحثين أن شعار "تطبيق الشريعة" ليس فقط حيّا وقادرا على إلهام عدد من الفاعلين السياسيين الإسلاميين، ولكنه كذلك يبدو عصيّا على التفكيك في صفوف كل من علماء المؤسسة الدينية الرسمية والنخبة القضائية المفترض بهم أن يقدموا التأسيس الشرعي لمبادئ القانون الوضعي تلك. وعلى مدار العامين التاليين للإطاحة بمبارك، كانت لجان كتابة الدستور مسرحا لمعركة جديدة وضعت الشريعة في مواجهة الممارسات الدستورية الحديثة. ومن الملفت أن هذا الجدل الممتد حول دستور 2012 والوثيقة الدستورية المعدلة له في 2014 لم يحظ بالاهتمام الكافي من قبل جماعة الدارسين وظلت نفس القناعات على حالها تقريبا دونما تفكير عميق في دلالات هذه التجربة.

استهدفت معركة "تطبيق الشريعة" الجديدة إحداث قطيعة مع ثلاثة جوانب رئيسية للميراث القانوني والدستوري المصري السائد منذ منتصف القرن التاسع عشر. من ناحية أولى، تعرضت الصياغات الدستورية التي طرحتها بعض القوى الإسلامية لأحد أهم أركان المجتمع السياسي الحديث وهو مبدأ السيادة الشعبية عبر الدفع باتجاه العودة لتصورات عقائدية وفقهية لا ترى في الأمة جماعة سياسية حديثة تدير شؤونها وفقا لمرجعية تتشكل عبر اتفاق أعضائها المؤقت، والمتغير بطبيعة الحال، ولكن تراها كجماعة موحدة عبر الزمن ترتكز وحدتها تلك على مجموعة من المبادئ المحددة سلفا. وينحصر دور الأمة وفقا لهذا التصور في الاجتهاد في تفسير وتطبيق تلك المبادئ دون أن يكون لها سيادة مطلقة على شئونها بالمعنى المباشر للكلمة، وأي خروج عن هذا التصور يعتبر انحطاطا أو اغترابا لهذه الأمة عن ذاتها. ومن ناحية ثانية، وكنتيجة مباشرة للتصور السابق للسيادة، فسلطة التشريع في هذا التصور لا تمارس عبر الانتخاب الحر المباشر وفقط إذ أنها تتطلب والحال كذلك ملكات معرفية تتجاوز حُكمها الشائع لدى العوام. ومن ثم فهذه السلطة يجب أن تخضع لوصاية من نوع ما لضمان ألا ينحرف المجموع عن أداء مهمته التاريخية، وهذه الوصاية تُمارس من خلال إلمام بالمنهج الذي يسمح باستنباط الأحكام من النصوص المؤسسة لوحدة وهوية هذه الأمة. وهذه السلطة المعرفية هي الرابط بين حاضر هذه الأمة وماضيها ومستقبلها بغض النظر عن المتغير والزائل في محيط السياسة النسبي. ومن ناحية ثالثة، فقواعد تفسير المواد المتعلقة بالشريعة في الدستور، أو استنباط الأحكام منها وفقا للتعبير الأصولي، يجب أن تكون محددة بدقة كقيد على المشرع المنتخب والفقيه المجتهد والقاضي الدستوري في آن واحد.

فبينما درجت الدساتير المصرية المختلفة على تحديد دين للدولة، هو الإسلام بالطبع، ثم تعيين دستور 1971 بتعديلاته الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع، ذهب دستور 2012 إلى ما هو أبعد بكثير. فضم الدستور الجديد والحال كذلك منهجا دقيقا لاستنباط الأحكام من النصوص المؤسسة للشريعة على النحو الذي يشكل استباقا لآليات ممارسة السيادة الشعبية الحديثة المتعارف عليها في السلطات التشريعية والقضائية (مادة 219). كما تقدم كذلك خطوة للأمام في هذا الاستباق ووضع بذورا للخروج على باقي أحكام البناء القانوني نفسه عبر تخويل القضاة سلطة إصدار الأحكام وفقا للنصوص الدستورية مباشرة، أي وفقا لنص المادة الثانية عمليا وعبر تطبيق المنهج المنصوص عليه في المادة 219 (مادة 76). وكذلك ضم نفس الدستور، وللمرة الأولى، بذورا للوصاية على السلطات التشريعية والقضائية من قبل سلطات معرفية أعلى ممثلة في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف (مادة 4). وهذه المواد الثلاث تعكس ما رأته غالبية القوى الإسلامية، والسلفية منها على وجه الخصوص، محاولة لرد الاعتبار للمادة الثانية من الدستور بعد أن أفرغتها المحكمة الدستورية العليا من مضمونها -من وجهة نظر تلك القوى بالطبع- عبر قصر أحكامها على "الأحكام قطعية الثبوت وقطعية الدلالة" وعبر انتزاع سلطة تفسير تلك المادة لنفسها كجزء من ولايتها التفسيرية على مجمل أحكام الدستور دونما تمييز.

أما الصياغات المحافظة التي أُدخلت لتقييد عددا من الحريات الفردية التي حصنتها الدساتير المصرية المتعاقبة (مادة 62 المتعلقة بحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية ومادة 89 المقيدة لمجمل الحريات الواردة في باب الحقوق والحريات العامة من الدستور بالمبادئ الواردة في باب المقومات الأساسية للدولة والمجتمع) فلا تشكل بحد ذاتها انقطاعا مع الميراث الدستوري المصري وإن كانت تقدم اجتهادا أكثر محافظة استنادا لمبادئه. بالطبع كانت هذه الصياغات مرتبطة بالمسعى الأول لتجاوز التصور الحديث للسيادة والسلطة ولكنها ليست المواد الأكثر دلالة، إذ أبدت الأغلبية الإسلامية في الجمعيات التأسيسية مرونة واضحة باتجاه إمكانية أي تفسير "معتدل" لهذه المواد يقره الأزهر، أي الجسم المنوط به الوصاية على السلطة التشريعية. وهو ما يعني باختصار أن مركز الجدل كان يتعلق بقضيتي السيادة الشعبية وكيفية ممارستها أكثر من كونه جدلا متعلقا بمنتجات هذه السيادة من قراءات محافظة أو معتدلة أو تقدمية.

من شأن إعادة قراءة الجدل حول معنى الشريعة وعلاقتها بمسألتي السيادة والسلطة في دساتير ما بعد الثورة على هذا النحو أن يشتبك مع تصورين سادا جماعات الدارسين على مدار عقد كامل على الأقل قبل الثورة. التصور الأول يركز على مسألة الإصلاح الديني، أي ضرورة إبداع تفسير للنصوص يسمح بضمان جملة الحقوق والحريات المتعارف عليها في الرؤية الديمقراطية الليبرالية بدءا من الحقوق السياسية كالحق في المشاركة في الحياة العامة وحتى الحقوق المدنية الأكثر إشكالية كالحقوق الجنسية والإنجابية أو حرية الضمير والاعتقاد. عادة ما يجري تسويق هذه الرؤية إعلاميا تحت عنوان "ضرورة البحث عن المسلمين المعتدلين" والذين يقومون في التصورات الغربية الرسمية اليوم، والتصورات العربية الرسمية المستعارة كذلك، مقام "حجر الفلاسفة" الكفيل بفض أي التباس يتعلق بوضع الشريعة في النظم القانونية الحديثة. بغض النظر عن كل الإشكاليات التي يثيرها هذا الافتراض، والذي يستند لتصور غائي للتاريخ يرى تاريخ المسلمين محكوما بالضرورة بالتحقيب الأوروبي وما خبره من إصلاح بروتستانتي شكل المقدمة اللازمة لظهور البنى القانونية والسياسية الحديثة، وهي مناقشة تخرج عن نطاق هذه الورقة بطبيعة الحال، أقول أن مشكلة هذا الطرح أنه عادة ما يعجز عن وضع يده على جوهر الجدل الذي يسعى لحله. فالمعضلة التي تعيد إنتاج نفسها دائما لا تتعلق بمحتوى هذا التفسير أو ذاك للنصوص بقدر ما تتعلق بشرعيتها وما إذا كان مسلمو اليوم لهم الحق ابتداء في التفكير في أمور دينهم وممارسته بعيدا عن هذه السلطات المعرفية الموكول إليها إبداع أو إقرار هذه النسخة من "الإسلام المعتدل". بعبارة أخرى، يشير الجدل حول الشريعة بعد الثورة أن الرهان الإسلامي المعاصر كان يتعلق باستعادة نمط بعينه من السلطة المعرفية، هي سلطة المجتهدين المعتمدين، على حساب البناء الحديث المتعارف عليه للسلطة حتى ولو أسفرت هذه الاستعادة عن تفسيرات معتدلة أو ليبرالية للنصوص. المشكلة إذن كما تبدو لنا هي في الحقيقة مشكلة معكوسة، هي مشكلة قراءة للشريعة تفتئت على المكون الديمقراطي في الدولة الحديثة، المتعلق بتنظيم ممارسة السيادة والسلطة، أكثر من افتئاتها على المكون الليبرالي، المتعلق بتنظيم الحقوق والحريات العامة. والسؤال بالتالي هو كيف يمكن لنا أن نبدع نسخة من الإسلام الديمقراطي الذي يتحرر أخيرا من سلطة المجتهدين بغض النظر عن كون هذا الإسلام ليبراليا من عدمه.

الافتراض الثاني المهيمن، والمرتبط بالأول بالطبع، والذي تشتبك معه قراءتنا للجدل حول الشريعة، هو الافتراض الذي عقد الرهان على الآليات الديمقراطية والدستورية (انتخابات دورية ومحكمة دستورية مستقلة مخولة بممارسة الرقابة على التزام القوانين بنصوص الدستور وتفسير محتوى تلك النصوص الدستورية نفسها) بوصفها قادرة حال ديمومتها على مقرطة رؤية الإسلاميين بغض النظر عما إذا تبنى هؤلاء رؤي ديمقراطية من عدمه في الوقت الراهن، وأن القبول بالآليات الديمقراطية كاف بحد ذاته لتفكيك التصلب الأيديولوجي لهذه التيارات. مصدر الخلل الجوهري في هذا الافتراض هو في التجاهل المستمر، والمثير للدهشة أحيانا، لحقيقة أن النجاحات المتحققة في دمج الإسلاميين في العملية السياسية الديمقراطية، ومن ثم في نزع الطابع التعبوي عن مسألة تطبيق الشريعة، هي بنت توازنات قوى سمحت بتشكيل كوابح على هذه الديناميكية التعبوية المقترنة بمسألة الشريعة وأن اختلال هذه التوازنات لصالح القوى الإسلامية قد يعني ببساطة انطلاق هذه الديناميكية من عقالها والسعي لتحويل الدستور من ضامن للسيادة الشعبية إلى مقيّد لها كما حدث في تجربة دستور 2012 في مصر. ومن ثم فبدون وجود قطب ديمقراطي وازن في المجتمع ستكون المؤسسات الديمقراطية طريقا ملكيا للعصف بمرتكزات الديمقراطية نفسها.

لا تسعى هذه الورقة لتقديم افتراض بديل أو تصور متكامل عن "مخرج" لهذه الأزمة، ببساطة لأن هذا ليس دور الباحثين المهتمين بالمسألة بقدر ما هو دور الفاعلين السياسيين. كما أن إبداع مخرج متكامل لهذه المعضلة يتجاوز طاقة ورقة مختصرة من هذا القبيل. فقط تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

تعتمد الورقة في سردها منهجا جينيالوجيا/تفكيكيا[1] يسعى لوضع التوتر الدائم بين "الشريعة" والممارسات الدستورية والقانونية الحديثة في سياقه التاريخي والاجتماعي. ويكون ذلك عبر الكشف عن الافتراضات المؤسسة للنصوص الفقهية أو القانونية التي تعمل عليها وربطها بسياق علاقات وممارسات السلطة ومشروعات الهيمنة السياسية التي سعت لتطويع تلك العلاقات لمصلحتها أو تحويلها باتجاه آخر. كذلك يسعى نفس المنهج للكشف عن ما تم استبعاده، أو تهميشه، في سياق هذه العملية من افتراضات يمكن أن تشكل تأسيسا بديلا لمعنى الشريعة والقانون والديمقراطية. كما تتعامل معالجتنا مع النصوص التي تعمل عليها بوصفها حصيلة لهذا الصراع على الهيمنة ومن ثم أنها مؤسسة على توترات بين مفاهيم متناقضة أو غير متماثلة بالضرورة، وليست معبرة بشكل صاف عن نية قائلها أو كاتبها، كما أنها لا تحوز جوهرا ثابتا يظهر مرة أخرى مع كل إعادة إنتاج. الورقة تسرد تاريخ توتر في حقل للممارسات المعرفية والقانونية ولا تسرد تاريخ جوهر ثابت لخطاب بعينه، وهو ما يفرقها عن المعالجات الاستشراقية الجديدة لهذا الموضوع والتي تُحمّل "الإسلام" أو "السلطوية" أو "الرجعية" مسئولية كل ردّة عن نموذج ديمقراطي ودستوري مفترض.

تقارب الورقة هذه الإشكاليات من خلال البدء في القسم الأول بعرض سريع للافتراضات المؤسسة للقانون الإسلامي كما تبلورت في مناهج "أصول الفقه" ومدى اختلافها الجذري عن الافتراضات المؤسسة للصيغة الدستورية/الديمقراطية في الحكم كما تطورت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا والعالم الإسلامي. كما تعرض في القسمين الثاني والثالث، لعملية إعادة إنتاج نفس الافتراضات في سياق مغاير تماما وهو سياق بناء دولة حديثة والانخراط في السوق الرأسمالي العالمي وما أنتجته عملية إعادة الإنتاج تلك من توترات نظرية وسياسية مختلفة، خصوصا مع صعود الحركة الإسلامية. ثم تتعرض في القسم الرابع للمقترحات المختلفة التي طرحت للتعامل مع تلك التوترات في سياق الجدل حول الدستور الجديد وما انتهت إليه عبر المساومات المختلفة داخل وخارج لجنة المائة لكتابة الدستور. ثم تعرض الورقة كذلك لمسار التراجع عن صياغات دستور 2012 في الوثيقة الدستورية المعدلة له والمستفتى عليها في يناير 2014 ودلالاته. وفي القسم الخامس والأخير منها، تعود الورقة لمناقشة الافتراضين السابقين اللذان هيمنا على جماعة الدارسين في ضوء مسحها للتطورات الدستورية في الأعوام التالية على الثورة.

تبني هذه المعالجة على دراسات سابقة اتبعت نفس المنهج في حقل دراسات القانون الإسلامي، كدراسات وائل حلّاق عن علم "أصول الفقه" أو سامرة إسمير عن الإصلاحات القانونية في نهاية القرن التاسع عشر وتحولاتها، وكذلك مقاربات أنثروبولوجية كمقاربة طلال أسد عن الشريعة والعلمانية في ذات الفترة، أو دراسات في حقل العلوم السياسية، كعمل ناثان براون الهام عن تشكل النزعة الدستورية المعاصرة في العالم العربي، وذلك دون الالتزام بكافة المقدمات النظرية الواردة في هذه الكتابات أو كافة خلاصاتها بالضرورة.

السيادة والتشريع والمعرفة قبل التحول للقانون الوضعي:

كثيرة هي الكتابات التي اهتمت بما يعرف بالإصلاحات القانونية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مصر والتي أسفرت عن تأسيس المحاكم المختلطة في 1876 ثم الأهلية في 1883 وتقليص ولاية المحاكم الشرعية تدريجيا والبدء في مسار التقنين بدءا بالنقل المباشر عن مدونات قانونية أوروبية وصولا إلى التشريع الدستوري مع الاستقلال الرسمي عن الإدارة البريطانية في ١٩٢٣.[2] شكلت هذه العملية نهاية لمسار بطيء ومعقد من تحلل النظريات والمؤسسات والممارسات القانونية التي استمرت على مدى قرون والتي تطور من خلالها القانون الإسلامي كما نعرفه اليوم. فما هي ملامح هذه الممارسات المتنحية؟ وما هو الثابت والمتغير منها؟

من الدارج التمييز في الأدبيات المعاصرة بين الشريعة، وهي الأحكام الواردة بالقرآن والسنة حصريا، وبين القانون الإسلامي والذي يشير لخلاصة ما انتهى إليه الفقهاء والقضاة المسلمون من تخريجات مختلفة للتعاطي مع عدد متطور من المسائل المدنية والجنائية استنادا لمناهج وأدوات تطورت بدورها عبر النظر في القرآن والسنة. عبر هذه العملية ولد علم "أصول الفقه" والذي يقدم المنهجية الأساسية لاستنباط أحكام الشريعة من الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنة. ويجري هذا الاستنباط وفقا لقواعد صارمة تعرف بالقواعد الأصولية، وهي جملة من القواعد اللغوية التي تسمح بتمييز دلالة النص الذي يتعامل معه مستنبط الأحكام. فإذا اجتمعت معرفة القواعد الأصولية للمستنبط صار قادرا على الانتقال لمرحلة أعقد من من معرفة وممارسة المنهج في استنباط الأحكام من النص.

ما يعنينا في تطور علم أصول الفقه ثلاثة ملامح رئيسية وثيقة الصلة بمناقشتنا. الملمح الأول أن أصول الفقه، ومنذ صك قواعده الأولى على يد الشافعي في كتابه العمدة "الرسالة في أصول الفقه"، قد أسس بشكل غير مباشر للافتراض الذي سيتطور على أساسه التشريع الإسلامي لاحقا وهو أن مصدر السيادة الذي يصدر عنه التشريع بالأساس هو مصدر مقدس متجاوز يخضع له الحكام والمحكومون معا، وأن العقد بين الأخيرين مرهون بالتزام الطرف الأول بالأحكام الشرعية الصادرة عن صاحب السيادة الأصلي. الأمة هنا وفقا لهذا التصور لا تشرع لنفسها ولا تملك شريعتها ولكنها موحدة على أساس عقائدي بالأساس يتمثل في التزامها بأحكام صاحب السيادة. والحكام هنا ليسوا مفوضين بشكل كامل من الأمة في إدارة معاشها ولكنهم مفوضين في ضوء الالتزام بهذه الأحكام.

الملمح الثاني يتمثل في آليات، أو منهجية، استنباط الأحكام من نصوص الشريعة -والتي يمارسها العارف بالقواعد الأصولية- والتي تتمثل في الإجماع ثم القياس على الترتيب، باعتبارها آليات كفيلة بتعزيز المفهوم غير الإقليمي لهذه الأمة الذي يربط ماضيها بحاضرها بشكل مباشر ويجعل مثلا مواطنا مصريا ملتزما بحكم صادر عن إجماع عدد من العلماء في زمن لم يعرف وحدة سياسية على شاكلة مصر اليوم. أما القياس، والذي لا يرى الشافعي فارقا بينه وبين الاجتهاد، فممارسته مرهونة بتوافر جملة من الملكات تتمثل في المعرفة باللغة العربية ابتداءا وبالنصوص المقدسة المتضمنة للشريعة وكذلك بموضوعات الإجماع السابقة على ممارسة الاجتهاد، أي أن السلطة هنا في ممارسة الاجتهاد هي سلطة معرفية الطابع بالأساس وتتأسس عبر المعرفة بالتقليد القائم وليست سلطة عامة تمثيلية الطابع كما هو الحال في الجماعات السياسية الحديثة، أو سلطة روحية الطابع على نفوس المؤمنين.

يقول الشافعي في هذا الصدد "قال فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت هما اسمان لمعنى واحد. قال فما جماعهما؟ قلت كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينه حكم [وجب] اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلبت الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس" (الشافعي 2014: 118).

واختزال الاجتهاد في القياس بالمعنى الذي ذكره الشافعي، أي "طلب دلالة النص بالأخبار"، أو رؤي السابقين ومنهجهم، يفضي لتضييق ممارسة النظر العقلي في النصوص قطعية الثبوت وفقا لقواعد لغوية صارمة، هي القواعد الأصولية، ووفقا لمعرفة الإجماع السابق على عمل المجتهد. ومن جماع المعرفة بالقواعد الأصولية والمعرفة بموضوعات الإجماع السابق تطورت آليات متعددة للقياس لم تتجاوز الحيز الضيق لما يسميه الفقهاء التاليين للشافعي بقياس "الشاهد على الغائب" ولا مجال للتفصيل في شأنها هنا.[3] وتضييق الاجتهاد على هذا النحو هو صنو رفض الشافعي للاستحسان، وهو ممارسة مدرسة الرأي السابقة عليه في العراق من أتباع الإمام أبي حنيفة، والتي ارتكزت على استخلاص الدلالة فيما ليس فيه حكم قطعي بإعمال النظر العقلي المحض. يقول الشافعي في هذا الصدد:

"وإنما الاستحسان تلذذ. ولا يقول فيه إلا عالم بالأخبار عاقل للتشبيه عليها. وإذا كان هذا هكذا كان على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر اللازم والقياس بالدلائل على الصواب حتى يكون صاحب العلم أبدا متبعا خبرا وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان وطالب ما قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدا. ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم ولكان القول لغير أهل العلم جائزا.... ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها وهي العلم بأحكام كتاب الله [تعالى] فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وارشاده. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكن فبالقياس. ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب" (الشافعي 2014: 124).

وأخيرا، وبالارتباط بالملمحين السابقين، يتشكل ملمحا ثالثا محوريا ملازما لممارسة الاجتهاد وهو التمييز القاطع بين العلماء والعوام من حيث الأهلية والجدارة بالمشاركة في الشأن العام. فلمّا كان الاجتهاد ممارسة مغلقة على فئة بعينها من الممارسين يجري بالتالي استبعاد باقي الناس بشكل ممنهج من عملية التشريع ككل. فبالإضافة لما ذكره الشافعي في الاستشهاد السابق في صيغة الاستنكار من أن إهمال الإجماع لا يعني إلا فتح الباب لغير أهل العلم لممارسة القياس، يضيف في "باب العلم" في "الرسالة" تمييزا محوريا بين "علم العامة"، الذي يستطيع كل عاقل بلوغه، وهو موجود حصرا في الكتاب والسنة والإجماع، وعلم الخاصة والذي لا يستطيع العامة بلوغه، وهو المرهون بالقدرة على ممارسة القياس/الاجتهاد وفقا للشروط السابق ذكرها.[4]

من هنا تبلور في مرحلة لاحقة، وعلى يد فقهاء الشافعية بالأساس، مفهوم "أهل الحل والعقد" المنوط بهم المشاركة في اختيار الإمام أو الخليفة، ليس كمفهوم تمثيلي بقدر ما هو تجسيد لصيغة أقرب للأرستقراطية. فمن أوائل الأعمال المعروفة والتي تصدت لمسألة السلطة السياسية في الإسلام يأتي عمل الفقيه الشافعي ذائع الصيت الماوردي "الأحكام السلطانية والولايات الدينية" والذي ذكر فيه ثلاثة شروط حصرية لأهل الحل والعقد لم يخرج عنها، أو يضيف لها إضافة ذات دلالة، أحد من الفقهاء المتأخرين الذين تصدوا للتنظير في الموضوع، كالجويني مثلا.[5] وهذه الشروط هي العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والرأي والحكمة المؤديان لاختيار من هو للإمامة أصلح (الماوردي 2013: 14). بل إن هذا العلم المفضي للاجتهاد، بالمعنى الذي فصلّه الشافعي، يأتي كثاني الشروط الواجب توافرها في الإمام نفسه ( الماوردي 2013: 14).

كانت رؤية الشافعي تلك دفاعية بالأساس إن جاز التعبير، وتسعى لتحقيق عدة أهداف فرعية مرتبطة بهدف مركزي هو الحفاظ على وحدة جماعة المسلمين التي كانت لا تزال أقلية في طور التكوين على الرغم من تمدد سيادة دولتها بشكل سريع ومباغت وإخضاعها لشعوب عريقة لها تجاربها المعقدة في الحكم والتشريع. ووحدة الجماعة تلك لا تتحقق فقط في مواجهة غير المسلمين بالمجمل الذين امتدت هيمنتهم سريعا على الإمبراطورية الوليدة نتيجة دراية نخبهم بالحكم والإدارة الاقتصادية - وهو ما مثل مقدمة طبيعية لظاهرة الشعوبية التي وسمت عصر الشافعي- ولكنها كذلك تتحق في مواجهة اتجاه جماعة المسلمين الأقلوية تلك للتمايز الداخلي سريعا خصوصا مع ظاهرة التشيع السياسي منذ نهاية ما يعرف في الأدبيات الإسلامية بالفتنة الكبرى أو نتيجة لظهور الفرق الكلامية، وهي الفرق التي اتسمت بقربها وحظوتها لدى حكام الإمبراطورية العباسية تحديدا. يفسر ذلك تصدير الشافعي لرسالته بفصل عن "فضل اللغة العربية" على ما عداها وتشديده على ضرورة أن يكون المتصدي للاجتهاد عالما بالعربية، بل وبلغة قريش، وأحوال العرب قبل الإسلام.[6] والمضمر في هذا التشدد بالطبع هو محاولة تحجيم سلطة غير العرب المتنامية في مجالات انتاج المعرفة بشكل عام في عصر التدوين ذاك. كذلك فتفضيله لمدرسة الحديث في المدينة على مدرسة الرأي في العراق هو محاولة لشد هذه الجماعة لمرجعية لا تحتمل التأويل، وما يقترن بذلك من رفع السنة لمرتبة الوحي لتحوز نفس المكانة التأسيسية للنص القرآني، وذلك قبل البداية في جمع الصحاح من الأصل. وضيق الشافعي، وغيره من الأصوليين بعلم الكلام مثلا يستند إلى ما تنتجه ممارسة هذا العلم من تفكك للجماعة إلى فرق لا متناهية ومن ثم الإخلال بوحدتها في طورها التكويني نفسه.[7]

يتكامل الهدفان حول محاولة تحجيم دور الحكّام/الأباطرة في التشريع، أو الخروج على النص، دون قطع الصلة بالكامل مع هذه الدولة الإمبراطورية والتي قد يترتب على تفككها لسلطات محلية، عبر التشيع السياسي مثلا، أو انهيارها، تفكك جماعة المسلمين الوليدة. فكان المخرج هو إخضاع الدولة لسلطة الشريعة وحجز سلطة استنباط الأحكام من النص إلى العلماء المجتهدين حصرا بوصفهم الطرف الوحيد المؤتمن على النص وعلى مصالح الأمة في نفس الوقت. وليس في هذه الرؤية من غرابة أخذا في الاعتبار الموقع المتميز للعلماء/القضاة الذين لم يشغلوا في هذه المرحلة المبكرة أي موقع مؤسسي واضح، بل شغل بعضهم مهنا حضرية مرتبطة برأس المال التجاري والتصنيع البدائي كما تشي ألقابهم أنفسهم. وكانت سلطتهم المعرفية في الحواضر الرئيسية شخصية الطابع ومرتبطة بالقدرة على التأثير في جمهور المسلمين خارج أروقة الدولة أكثر من كونها مستمدة من مؤسسة أو تقاليد متوارثة.[8] أي أن ولادة ما يمكن تسميته "بالأرثوذكسية السنية" كانت خارج الدولة وبالجدل معها، وعلى يد نخبة مثقفة معارضة - وإن كانت غير جذرية تماما في معارضتها- في أغلب الأحوال ولم تكن نتاج فعل مباشر من الدولة.

تطور الفقه الإسلامي وتشعب لمذاهبه الأربعة المعروفة في العالم السنيّ على الأقل عبر ممارسة هذا المنهج. وتراكمت في سياق تطوره جملة من المبادئ العامة التي عرفت "بالقواعد الفقهية" لتشكل قاسما مشتركا لاجتهادات فقهاء المذاهب المختلفة. وهي على العكس من القواعد الأصولية لا تتعلق بما يجب معرفته لممارسة الاستنباط من قواعد لغوية ومنطقية، ولكنها تقدم تلخيصا لما استقرت عليه ممارسة الاستنباط تلك للفقيه حتى يصير عالما بالإجماع اللازم للتقرير عما إذا كان من الواجب ممارسة الاستنباط ابتداءا. هذه المبادئ هي التي ستلهم صناع القانون المدني المصري في مرحلة لاحقة صياغة المصطلح الغامض "مبادئ الشريعة" والذي سيعرف طريقه إلى صدر الدستور المصري منذ العام 1979. ويختلف عدد هذه القواعد زيادة ونقصانا تبعا لاجتهادات أتباع المذاهب المختلفة، إلا أن أكثرها شيوعا وتكرارا وثبوتا في المذاهب الأربعة هي القواعد الفقهية الخمس الأساسية: اليقين لا يزال بالشك، المشقة تجلب التيسير، الأعمال بمقاصدها، الضرر يزال، وأخيرا أن العادة، أو العرف، محكم (السيوطي 2015: 27، 28).

ظلت هذه الملامح الثلاثة، بما أنتجته من قواعد فقهية معتبرة، ملازمة لتجارب الحكم المختلفة في السياق الإسلامي ومشكلة حدودا على ممارسة السلطة العامة. فلم يخرج أي من الفقهاء التاليين على الماوردي في النظر لعقد الإمامة بوصفه عقدا بين الأمة والحاكم متوقف على شرط جوهري وهو الالتزام بأحكام الشرع سواء تلك القطعية الواردة في القرآن والسنة أو التي استنبطها فقهاء تتوافر لهم شروط الاجتهاد التي صكها الشافعي. حتى عندما بدأت هذه الحدود في التراجع مع تفكك الإمبراطورية منذ القرن العاشر واستتاب الأمر لأمراء التغلب وقدرتهم على التوسع في التشريع المباشر عبر الانتقاء بين أحكام المذاهب المختلفة وصولا إلى المحاولات الأولى في التقنين مع السلطنة العثمانية، ظلت هذه القدرة مقيدة على المستوى النظري بعدم مخالفة أحكام الشرع القطعية أو ما سبق من الإجماع. والفصل بشأن هذه المخالفة من عدمه كان دائما محجوزا للعلماء بالطبع. أي أن التحول من نموذج الخلافة المركزية إلى النماذج السلطانية في ممارسة الحكم وفقا لشرعية الأمر الواقع لم يرتبط بأي تحول يذكر على المستوى النظري في مفاهيم السيادة والسلطة. مراجعة الاجتهادات المتأخرة للغزالي أو ابن تيمية مثلا في التأصيل لمفهوم السياسة الشرعية -أي القدرة على الحكم والتشريع المباشر في حدود الشرع دون استشارة العلماء- توضح بجلاء أن مفهوم السيادة وما يرتبط به من مفاهيم الأمة والسلطة المعرفية للعلماء لم يتغير.

ويفصّل ابن تيمية -والذي سيكون ملهما فيما بعد بتفصيله ذاك لمشروع "استعادة الشريعة" كحاكم على الأمة والحكام معا في ظل تآكل سلطة المجتهدين- تصوره عن إمكانية التعايش مع أمراء التغلب دونما التنازل النظري عن التصور العام لعلاقة الشريعة بالسيادة والسلطة على النحو التالي:

"وأي شئ من الولايات عُمل فيها بطاعة الله ورسوله، كانت ولاية شرعية، وأي شئ عمل فيها بخلاف ذلك، أو ترك فيها ما يجب، لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله، [و] أكثر معرفة بالشريعة، صار كثر من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون الشرع ما حكم به القاضي، وربما فروا من هذا الشرع؛ إما خروجا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع: اسم لما بعث الله تعالى به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، من الكتاب والحكمة، وحكمه لازم لجميع الخلائق.... وقد رؤي من الولاة من هو خير أكثر من القضاة، ورؤي من القضاة من هو شر من فساق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولى، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جعل سلطان يقام به الدين على الوجه المشروع كان ذلك مقصود الولاية" (ابن تيمية 2012: 226، 227).

هذه الصياغة التوفيقية المكثفة سمحت بالتعايش مع واقع الحكم بالتغلب عبر تحويل سلطة العلماء لسلطة سلبية الطابع إذا جاز التعبير، أي تقتصر على التنبيه عند الخروج بالتشريع عن مقتضيات عقد الإمامة، بعد أن ظلت قرونا، على المستوى النظري على الأقل، سلطة إيجابية تتمثل في الاضطلاع بأمر التشريع. هنا أفسح ابن تيمية مجالا نظريا يسمح بممارسة السلطة عمليا من قبل الحكام دون أن يذهب إلى اعتبار هؤلاء الحكام محلّ السيادة النهائي على النحو الذي تطور فيه الفكر السياسي في أوروبا مثلا بعد ذلك بذهاء قرنين أو ثلاثة من الزمان.[9] وهذه الصياغة النظرية ستستمر حتى زمن الإصلاحات القانونية التي انفتحت على القانون الوضعي الأوروبي، المرتكز على مبدأ السيادة الأرضية غير القابلة للتجزئة، منتجة من الالتباس أكثر بكثير مما أنتجت من الحلول والموائمات.

الهوامش:

 

[1] للاستزادة حول محاولات الدمج بين رؤى ميشيل فوكو ما بعد البنيوية، أو ما بعد الماركسية، وأفكار كل من أنطونيو جرامشي عن الهيمنة ورؤى جاك دريدا التفكيكية يمكن العودة إلى أعمال منظري ما يعرف بمدرسة "إيسكس" لتحليل الخطاب السياسي (هاورث، نورفال، ستافراكاكيس 2000) و(جلاينوس، هاورث 2007)

[2] يمكن هنا ذكر دراسات خالد فهمي عن ارتباط التحول للتقنين الوضعي بظهور تقنيات وممارسات معرفية جديدة كالطب الحديث مثلا (فهمي 2004)، وكذلك عمل تيموثي ميتشل الهام عن أثر تبلور ممارسات التدريس الحديثة على التحولات القانونية (ميتشل 1991)، ودراسات لايش آهارون عن التحول من نمط قانون القضاة إلى قانون الدولة والتي رصد فيها تآكل سلطة العلماء/ القضاء لصالح تشريعات الدولة القومية وعمل النخبة القانونية الجديدة (آهارون 2004)،وكذلك أعمال كل من فرحات زيادة (زيادة 1987) وسامرة إسمير (إسمير 2012) عن نشأة وتكوين النخبة القانونية الجديدة، وكذلك عمل طلال أسد الهام عن أثر تلك التحولات على ما أسماه مسار العلمنة (أسد 2003).

[3] يتضمن عمل الفقيه الشافعي الفخر الرازي "المحصول في علم الأصول" عرضا وافيا لتلك الآليات (الرازي 2014)

[4] يقول الشافعي في هذا الصدد أن "فقال لي قائل ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له العلم علمان علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله.... وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله جل ثناؤه وموجودا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم.... قال فما الوجه الثاني؟ قلت ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص من كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شئ منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا [من] أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا (الشافعي 2014: 85 و 86).

[5] خصوصا في عمله المعنون "بغياث الأمم في التيات الظلم" (الجويني 1979)

[6] يقول الشافعي في هذا الصدد "ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا يعلمه ويحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شئ على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، ولا تعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شئ" (الشافعي 2014: 17).

[7] في هذا السياق، وعلى الرغم من التقدير البالغ لعمل أبي حامد الغزالي في أصول الفقه المعنون "بالمستصفى"، فعادة ما يأخذ عليه محققوه اعتماده على مقدمات كلامية للتأسيس لمبادئ علم أصول الفقه. على سبيل المثال يقول، محمد سليمان الأشقر، أحد محققو المستصفى "وقد استوقفني أثناء العمل فيه [المستصفى] بعض آراء كلامية في مسائل الاعتقاد، ذكرها الغزالي في أثناء كلامه الأصولي، تجري على مذهب الأشعرية، وتخالف عليه أهل السنة من تابعي السلف في الاعتقاد. وكاد ذلك يصرفني عن متابعة العمل في الكتاب، لئلا أكون ممن أحيا باطلا كاد أن يموت أو يندثر، بانتشار ضياء علم السلف، وتقبل أهل العلم له في مشارق الأرض ومغاربها" (الغزالي 2012: 6).

[8] يمكن الاستزادة بشأن تحليل السياق التاريخي/ الاجتماعي لعمل الشافعي بالعودة إلى عمل نصر أبو زيد "الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية" (أبو زيد 2007).

[9] يقدم ابن القيم الجوزية في شرحه لمفهوم شيخه ابن تيمية عن" السياسية الشرعية" صياغة لا تقل وضوحا وصراحة عن صياغة شيخه، إذ يقول "فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب للصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: "إلا ما وافق الشرع" أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح، وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة" (إبن القيم الجوزية 2014: 46).

إضافة تعليق جديد